الصفحة الرئيسية الأرشيف
التاريخ: 19-يوليو-2011    العدد:6468 الملف الثقافي(الأرشيف) تاريخ اليوم: 24-يوليو-2014
  


 الأرشيف




free counters
 الملف الثقافي(الأرشيف)
هالة محمد نصر: ٭ لحظة صدق مترعتان بلعواطف الخاصة والجياشة حركت القلم بيد، وجعلتاني بلا شعور مني اكتب كلماتي هذه، اما اللحظة الاولى فهى للشاعر والقاص شاذلي جعفر شقاق، أما الثانية فهى كلمات صدق خطها يراع الكاتبة الروائية والقاصة رانيا مأمون.
واللحظتان تفجرتا فرحاً وسعادة بمقدم حلوتين عشقاً والقاً، حباً وترحيباً واستقبالاً في حياة الكاتب والكاتبة. ففي الوقت الذي يستقبل الكاتب (شقاق) ابنته رواح تكون ابنة الكاتبة رانيا مأمون قد دخلت في عامها الثاني. لحظات غارقة في الخصوصية إذن!! ولكنها مفعمة بالمشاعر التي تدفقت سلاسة وعذوبة وأنهراً من صياغات الكلم الرقيق والخصب الجميل. ولشدة خصوصية اللحظتين لربما احتجت الى ان استميح الكاتبين عذراً لإيغالي في أشد لحظات التجلي عندهما خصوصية، وربما الكلمات المنسابة في سهولة واشتياق تتداعى، وحنين وحب وعواطف جياشة صادقة هى ما جعلتني أهرع نحو القلم واكتب. لقد حركا فيَّ رغبة الكتابة إذن!! ولحظتاهما المترعتان جعلتاني اقف عندهما، لربما الحدث عادي، ويحدث في كل يوم، بل في كل ثانية يستقبل اب مولودا له جديدا، وعلى رأس كل ثانية تصبح امرأة ما أماً، حدث ربما لا يقف عنده الكثيرون. ولكنهما بحس الكاتب الصادق المتدثر اللحظة فرحاً والمتسربل السويعات إحساساً، جعلانا نعيش معهما الفرحة والصدق الصدوق. وهل هنالك أجمل من كلمات تنساب صدقاً في لحظة تضجر والهام واحاسيس جميلة، واعدة وصادقة تخالج النفس وتمس شغاف القلوب؟
والكاتب الذي يستقبل ابنته بفرحة عارمة يدخلنا معه في ذات الشعور قائلاً:
وهأناذا أقف حافياً إلا من جوارب لهفتي واغتباطي.. خاشع أنا في محراب الصمت الساكن إلا من هسيس نشوة ترسمه ابتسامة حنو على وجه رحيم، تحفز بشارتها للنوال. هل استطعت أن تتنسم عبير كلماته الصادقة التي تخرج متداعية سلسلة؟
والكاتب الذي يطوع اللغة وهو الشاعر المجيد، أرهف أذاننا بكلمات عذاب. إنه استنطاق اللحظة وجعلها تمشي بيننا خشية غبطة ومتألقة إيحاءً وتشبيهاً واستعارات.
أن تخلق من اللحظة هدفاً، أن تحلق بالقارئ، ان تطلق لخياله العنان، أن تجعله يتخيل ويتصور ويبحر ويهاجر وينطلق، يعيش إحساس اللغة والكلمات، يتحسسها، تزيل من على صدره غبار الايام لتعيش الفرحة. كلمات والحان مدوزنة ولحظات صدق قلما نجد مثلها في زماننا هذا، زمان الثورات والانتفاضات وطائرات الاباتشي والإبادات الجماعية والقلق والخوف الجماعي.
ثم يواصل حديثه لذات ابنته: وعندما تكور بطن الارض القصيدة طفق الأفق ينسج معاطف البزوغ الشفيف، يوصل ويرتق، يدبج، يرصع من بدائع قوس قزح منمنمات اللحن القادم من رحم الاماني الشبقات.
فلنرتشف الآن من بديع كلماته الرائعات، لقد أهدانا في زمان الكلمات السهلة والمكررة الممجوجة كلمات تمس سويداء القلوب، وتحرك فيها مكامن الدهشة الاولى ولذة الشوق الذي لا ينتهي، وهل يعقل هذا إلا من ملك ناصية اللغة وأبحر فيها وتوغل فكتب فأدهش فأمتع؟
ثم يواصل: وفجأة تختطف كفاً متحمسة ويوعز لها بالانصات لاقتناص لحظة فرفرة عابرة لماذا كنت تفرفرين يا عزيزتي؟ أكنت تبحثين عن جنب مريح؟ ام كنت تعلنين عن وجودك هنا؟ ام كنت تعلنين لهفتنا وطول انتظارنا؟
شوق الانتظار إذن ولهفته، ما تعنيه كل حركة من الطفلة، وهى بعد تتقلب في رحم أمها. تساؤلات تبحر في غموض زاده سحر اللحظة غموضاً لهفة وطول انتظار.
ألم أقل من قبل إن الامومة والابوة أمر حدث منذ بدء الخليقة؟ ومازال يحدث وسيظل يحدث الى ان تنتهي هذه الفانية؟
ولكنهما- الكاتبان أعني- فجرا اللحظات وسحبانا معهما الى اشد كهوف الحياة خصوصية، ليختلط العام بالخاص، ليهديانا من فرحهما الخاص إحساساً بالدهشة وتتموسق الكلمات صدقاً لا يضاهى!!
ثم أيضاً في ذات صياغة الكاتب: وأنت الآن بين يديَّ يا قصيدتي العصماء، خفيفة المهد كنسمة جروف عند الاصيل، اتفحص مبناك ومغناك وسائر عناصر الابداع فيك يا قشيبة.. اتذوقك تفعيلة تفعيلة صورة صورة.. وإيماءة ايماءة وانت ترفلين في شيء من الرهق وقليل من القلق. وهل يكتب الشعر سوى القلق؟
نعم وهل يكتب الابداع سوى الفطرة السوية والخيال المترف في بحور الشعر نبراساً يشع رؤى في سماوات الذوق الرفيع؟
وختاماً يقول الكاتب: آهـ لو كنت تعلمين، إني اريدك أن تعلمي أن كل ما مر من عمر قبلك غدوٌ وانت رواحي. فلله الحمد والمنة والشكر كله. ويا رواحي الف مرحي!!
ويقف القلم عند هذه اللحظة، لن أجد ما اكتب!! وليدور القارئ بخياله كيفما ساقه الخيال ــ فاللحظة ابقى وانضر من ان تدون!! ولكن قبل ان تجرف بعيداً أيها القارئ بل قبل ان تسوقك الحياة اليها في لحظاتها المليئة بالقلق والمتوترات المشحونة بصراعها اليومي المرهق والفتاك!! قبل أن تذهب بعيداً الى ما حيث يجب عليك القيام به أو ما سوف تشتري او من ستقابل او كيف ستدبر ما تملك من جنيهات قليلة مع احتياجاتك الكثيرة، قبل كل هذا، بل قبل ان يرتد اليك طرفك. تعال الآن لنواصل ما تبقى من هذه الكلمات، ولندلف الآن الى مقال الكاتبة رانيا مأمون الذي اختارت له عنوان : قلب الصغير، تقول الكتابة في مستهل حديثها: اليوم تحملين عامك الثاني، عامان مضيا وانت معي، كنت داخلي تسعة أشهر وخرجت واستقللت عني واصبحت كائناً منفصلاً عني، احياناً انظر اليك واسأل نفسي من هذه حقاً؟ من هذه الطفلة أهي ابنتي حقاً؟
سؤال عميق وقوي تسأله الكاتبة: من هذه حقاً؟ سؤال يحمل في ثناياه الكثير من التساؤلات المنبثقة من رحم الدهشة الاولى والحيرة والقديمة المتجددة عن كيفية خروجنا الى هذه الحياة ووجودنا فيها، خروجنا اليها في ذات لحظة غريبة ومهابة. أن ترى فجأة كائن ينضاف الى اسرتك الصغيرة المكونة من شخصين!! أن تصبحا فجأة ثلاثاً.
ثم: وعندها تشاغبين وتتمردين أسأل نفسي بضيق: هل من الضروري إنجاب الاطفال الاشقياء؟ ذات التمرد الاول والغوص أسئلة في كنه الحياة والوجود.
ثم تواصل: عاماً مازلت اذكر لحظة ولادتك وصراعي مع المخاض قبل ولادتك، وعدم درايتي اصلاً بأن هذا مخاض. وهل يعيش الصراع ويعيشه باللحظات ويستنطقها ويفجرها إلا الادباء؟ وهل يوثق لأشد لحظات الحياة خصوصية إلا الكتاب؟ النساء جميعهن يعانين من الآلام المخاض، لكن لربما الكاتبة تصف الحدث المعيشي واللحظة المرهونة بميلاد الفرح الشهي المنتظر.
ثم في ذات السياق: نعم كنت اشعر بيقين انك بيننا وستصيرين صديقتي ونشكل حزباً في البيت، انت وأنا وسنتآمر على أبيك، فهناك شؤون تخصنا نحن النساء، الرجال لا يفهمونها، ومع هذا أخشى عليك من هذا المجتمع الذكوري ذي العقلية الذكورية.
احساس الكاتبة العميق والذي يكاد يصل الى الحدس ينبئها بأنها تحمل بين احشائها بنتاً وستكون صديقتها، فهى من ذات جنسها، واحساس (الجندر) الذي تعيشه كل انثى تهتم بشؤون المرأة أو كل انثى مثقفة واعية: سنتآمر على أبيك، فهناك شؤون تخصنا نحن النساء الرجال لا يفهمونها، ومع هذا اخشى عليك من هذا المجتمع الذكوري ذو العلاقة الذكورية. ذات الصياغ وذات الاحساس يتغلب على الصوت الذكوري وكونه يعلو على صوت المرأة.
ثم ها هو التداعي يتواصل، فها هى تقول في كلمات مليئة عاطفة متدفقة احساساً وترياقاً يصب هنيئاً في رؤى النفس المشرئبة دوماً الى الالق البهي في مساحات الكلم الشفيف:
عندما تناديني بـ (ممو) افرح، عندما تقولين شيئاً يدهشنا افرح، لأنك ستؤخرينني عن العمل افرح ايضاً، عندما اراك افرح، عندما تشاغبين افرح، وانزعج عندما تزعجينني، اغضب وبعدها افرح. عندما تقولين لي: إنت زعلانة مني؟ عندما أمسك يدك الصغيرة افرح، عندما ارى شبشبك الصغير ووجهك الصغير افرح، اشياؤك الصغيرة كلها تجعلني افرح، الآن اكتشف ان حالاتي كلها معك فرح.. فرح.. نعم فرح.
ما أجمل أن نستنشق عبير لحظات الفرح!! ولكن الاجمل والاروع ان نشرك الآخرين معنا في هذه الافراح بجعل القارئ يتخيل لحظات فرحه او ان يتعلم كيف يعيش الفرحة بإحساس الكاتب الذي يتوغد صميم الدهشة المفرحة، أو الفرح المدهش أو حتى ان نوقظ في دواخله المشاعر الاقوى والاصدق والتي تعيش في مكامن الروح وبين تلافيف الذاكرة، ننتظر من يربت عليها في حنو ورفق لتصحو من ذات ثبات لها.
وذلك عندما تكتشف الكاتبة أن حياتها بمقدم ابنتها قد غدت كلها افراحاً، فجعلتنا نعيش معها هذا الاحساس وننساق بلا وعي منا نحو لحظات مترعة بالمشاعر الفياضة لتنجلي هنا لحظات الإلهام ــ لحظة أن ترى ما يدهشك، ما يفتح شهيتك للقراءة، ما يعمق فيك احساساً اقوى بالحياة بأن هنالك من يستحقون أن نحيا من أجلهم. الاطفال ثمرات القلوب وكائنات الرحمة.. الابناء والبنات فلذات الاكباد وجواهر الايام ودررها النفيسات.
ثم تقول الكاتبة: هيا يا صغيرتي تجاوزي الايام والشهور والسنين واقفزي عليها واكبري.
حلم كل أم أن ترى ابنتها تنمو، تترعرع، تكبر، ليكون بعدها إحساس الامومة واللحظات الندية.
ثم أخيراً: فأنا احتاج اليك، احتاج اليك يا صديقتي فهنالك الكثير لاحكيه واشكيه لك، هنالك الكثير لنخوضه معاً.. هيا اكبرُي.
تنتظرها بكل الصبر لتكبر لتكون صديقتها لتناجيها لتحكي لها، لتقضيا الساعات معاً. حيث لا سر بينهما ولا غموض، حيث الحديث يتدفق شهداً حلواً.
لقد أبحرنا في دروب الكلمات الصادقات إذن!! وعداً ونبراساً ووهجاً سرمدياً في فضاء البوح الشفيف والصدق الواضح والكلمات المتموسقة القاً وترياقاً وسحراً شجياً.
كلمات خرجت من القلوب فصادفت القلوب.. خرجت صادقة فاستكانت في امان بدواخلنا تذكرنا بأن الحياة جميلة، وان هنالك من يصنعون من اللحظات الاكثر خصوصية لحظات حلوة تتلقاها الايادي وتتلقفها الآذان، وتسكن في القلوب ثباتاً وسلاماً.
التحايا أعمقها إذن للكاتب والكاتبة، وخالص الامنيات للصغيرتين رواح ورغد بحياة سعيدة وهانئة، وكل الامنيات لكل الكتاب والمبدعين.
( تعليق: 0)
 إقرأ أيضاً: