الصفحة الرئيسية الأرشيف
التاريخ: 29-مايو-2013    العدد:7103 رأي(الأرشيف) تاريخ اليوم: 24-أكتوبر-2014
  



رأي-حسن محمد صالح
رأي

 مقالات سابقة

 الأرشيف




free counters
 رأي(الأرشيف)
نعي الناعي بالأمس الأستاذ الفضل إدريس العباسي نائب مدير شركة النيل للنقل النهري الذي قضي في حادث سير على طريق عطبرة أبو حمد هو ووالده ووالدته وابن عمه . وكان حالي مع نبأ وفاة الفضل كحال الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وهو يرثي الصحابي الجليل عمار بن ياسر بعد استشهاده:
ألا أيها الموت الذي ليس تاركي
أرحني فقد أفنيت كل خليل
أراك مضراً بالذين أحبهم
كأنك تنحو نحوهم بدليل
والفضل من خلال موقعه في شركة النيل للنقل النهري «وهي شركة سودانية كويتية» يرأسها العميد صلاح الدين إدريس علي الذي هو من أشد الناس فقداً للفضل، فنحن نعزيه ونعزي أنفسنا فيك: يا فضل يا من كنت اسماً على مسمى . وكان الفضل يشد الرحال إلى مدينة كوستي حيث الميناء النهري الذي يربط جنوب السودان بشماله عبر النيل الأبيض، وكانت تلك الرحلات بين الخرطوم وكوستي لها ثمار أينعت على يد الراحل الفضل، ومن ثمارها اكتمال أسطول النقل النهري والمواعين النهرية التي صارت في وقت وجيز من أميز مواعين النقل النهري في إفريقيا، ولكنها تعثرت بسبب القطيعة السياسية بين جوبا والخرطوم عقب انفصال الجنوب. وكان الفضل يغادر إلى جوبا وكمبالا وكينيا وعندما يعود يتصل بي ليخبرني كيف قضى أياماً طيبات مع رفاق دربه من أبناء الجنوب الذين كانوا يعملون معه في شركة النيل للنقل النهري، وكيف طوقه أولئك النفر من أبناء الجنوب بكرمهم وحبهم. وأخبرني أنه في إحدى المرات تأخر في أحد الأماكن إلى ما بعد منتصف الليل، وفي طريق عودته للفندق بمدينة جوبا فوجئ بقوة عسكرية تحيط بالسيارة التي كان يستغلها من كل الجهات، وطلبت منه التوقف وإبراز هويته، وبعد أن علم الجنود أنه مواطن سوداني من الشمال اعتذروا له بشدة ورحبوا به في وطنه الثاني جنوب السودان، ثم سمحوا له بالذهاب إلى مقر إقامته. وكان ملخص الأمر عنده اجتماع قيمة حفظ الأمن مع قيمة الاعتذار للضيف مع الإحساس بالمحبة الصادقة بين أبناء الشمال والجنوب. وفي إحدى رحلاته إلى الجنوب، أخبرني عن اللقاء الذي جمع بينه وبين والي النيل الأزرق الأسبق والقائد في الجبهة الثورية المعارضة مالك عقار في مكتب أحد أصدقاء الفضل من أبناء الجنوب، وكان عقار يتحدث عن مشكلات في الخرطوم وقرب سقوط النظام، ولكن الفضل سأله من أين لك هذه المعلومات وهذه الأخبار؟ وقال له: أنا قادم للتو من الخرطوم والحكومة موجودة وقوية، ونصيحتي لكم في المعارضة أن تتفاوضوا مع الحكومة لحقن دماء أبناء الشعب السوداني.
وكان الفضل يتحسر كثيراً على ضياع التجارة بين الشمال والجنوب، وتعرض القطاع الخاص في البلدين لخسائر كبيرة بسبب توقف النشاط التجاري، وكان يعتقد أن التجارة بين الشمال والجنوب أهم من النفط، وبالعائد من مورد الجمارك وعائدات التجارة يمكن للسودان أن يغطي ما فقده من موارد من نفط الجنوب. وكان من موقعه في النقل النهري يعلم ما يمكن أن يتحقق من مكاسب اقتصادية من خلال التبادل التجاري والنقل النهري. وهذا هو دأب الفضل منذ أن كان طالباً بالجامعة فهو يعمل نهاراً بمصلحة البريد «البوستة بأم درمان» ويذهب ليلاً للبحث عن الرزق في التجارة ويطالع دروسه، حتى تخرج في الجامعة في ثمانينيات القرن العشرين، مكافحاً مصابراً، وبعد التخرج لاحت له فرصة العمل بجهاز الأمن ضمن دفعة تم اختيارها بعناية ضباطاً في الجهاز، ولكنه يحكي أن الأستاذ عثمان البشير بعد تعيينه محافظاً لمحافظة أبو حمد سأل عن شاب من أبناء أبو حمد لكي يعمل معه في المحافظة الوليدة، فدله الجميع على الفضل إدريس، وكان الخيار الصعب بين العمل في الجهاز أو الذهاب إلي أبو حمد وخدمة أهله، وقد اختار الثانية. وأعتقد جازما أن جهاز الأمن والمخابرات قد خسر بخروج المجند الفضل إدريس منه ضابطاً متميز خلقاً وأخلاقاً. ولكن الفضل تنازل عن هذه الرتبة الحفية وسافر مع المحافظ عثمان الكباشي، وبقي هناك يعمل من غير كلل أو ملل. وكانت تلك الأيام هي بداية تأسيس الحكم الاتحادي، وكانت التحديات كبيرة، وكان التناغم بين العمل الشعبي والرسمي على أشده. وكانت محافظة أبو حمد أنموذجاً للتعاون والتفاني في خدمة الأهداف الكبرى للإنقاذ وعلى رأسها الجهاد والاستنفار والتنمية وخدمة المواطن، وكان الفضل على رأس كل هذه الأعمال «في ظروف أقل ما توصف به أنها قاسية وصعبة»، ولكن عزم الفضل وأخوانه في البناء والتأسيس كان أكبر مما يوصف. ويحفظ الفضل لأهله الرباطاب كثيراً من التعليقات والقفشات حول تلك الأيام. وفي مرحلة لاحقة قابلت الفضل بصحبة الوزير محمود موسى وزير التخطيط العمراني بولاية نهر النيل، وكان الفضل يده اليمنى وساعده القوي، وطلب مني في إحدى المرات مقابلة الفضل، فوجدته شاباً نحيفاً شديد التواضع كثير الوجود في ميدان العمل، لا يميل إلى الوثير من المقاعد ولا يعرف النوم، فهو في رباط دائم. وكانت تشع في عيني الفضل بروق الذكاء الخارق، فهو رباطابي كامل الدسم ومؤمن كامل الإيمان لا يغضب إلا لله، ولا يجامل في الحق «ورغم صغر سنه النسبي مقارنة بالآخرين» إلا أن قدراته السياسية كانت بلا حدود، وقد أهله ذلك لكي يكون من الرموز السياسية القوية في عطبرة التي رحل عنها لكثرة التناقضات السياسية على وجه التحديد في أزمان سابقة ولاحقة. وجاء للخرطوم ولكن قلبه كان معلقاً بحبيبته عطبرة. وكان يحلو لأهل عطبرة أن يطلقوا عليها «أم المدائن». وكان يسافر إلى عطبرة يوم الخميس ويعود منها أول أيام الأسبوع، وكان مهموما بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والرياضية في عطبرة، فقد جرب أن يقيم حديقة للحيوان تشجيعاً للسياحة في المدينة التي يظن أنها مدينة تاريخية وصناعية وسياحية في ذات الوقت، كما حاول تربية الأبقار والزراعة، وكان حرصه على التنمية والتطور في عطبرة لا يقل عن حرصه على أبو حمد.
كان الفضل وفياً لأصدقائه وعونا على نوائب الدهر، وموصولاً مع أصحاب الحاجات والمرضى والمحتاجين، باراً بإخوته ووالديه اللذين رحلا معه عن هذه الدنيا الفانية. وكان مكتبه العامر قبلة لكل أبناء السودان ونهر النيل على وجه الخصوص، وقد تعرفت على كثير من أبناء الرباطاب عن طريق الراحل الفضل. وكان عوناً للجميع، وحتى الفرق الفنية من شاكلة تيراب الكوميديا وكومديان وغيرها من الذين يشيعون جو النكتة والضحك كان عوناً لهم، وكان الفضل يؤلف كثيراً من الملح والطرائف ويمدهم بها لكي ينطلقوا بها وتدر عليهم المال الوفير. كما أنني تعرفت على كثير من الرياضيين من داخل السودان وخارجه عن طريق الفضل إدريس الذي كان يتعاقد مع كبار مدربي كرة القدم ومن ماله الخاص لتدريب فرق عطبرة التي كان يقوم برعايتها وينفق عليها، وكان يتعاقد مع لاعبين من نيجيريا وغيرها للعب في عطبرة ويدفع لهم الرواتب العالية من ماله الخاص، وهدفه هو تطوير الرياضة في مدينة الحديد والنار.
وكانت قدراته الفائقة في التوفيق بين النشاط الرياضي والاجتماعي هي السر الكامن في ذلك الرجل النحيل الذي تولى إدارة الناشئين واتحاد الناشئين مع عمله في الشركة الذي كان محط إعجاب أعضاء مجلس الإدارة من الكويتيين، وكذا العاملين في الشركة في موقعهم المختلفة الذين آلمهم رحيله المر وهو يناجيهم:
أريد بذاكم أن تهشوا لطلقتي
وأن تكثروا بعدي الدعاء على قبري
وأن تمنحوني في المجالس ودكم
وإن كنت عنكم غائباً تحسنوا ذكري
ونحن نقول لهم:
لعمرك ما الرزية فقد مال ولا شاة تموت ولا بعير
ولكن الرزية فقد شهم يموت لموته خلق كثير
ونقول للراحل المجيد الفضل إدريس العباسي:
ما غاض دمعي عند نازلة إلا جعلتك للبكاء سببا
وإذا ذكرت ميتاً سفحت عيني الدموع ففاض وانسكب
إني أجل ثرى حللت به عن أن أرى سواه منقلبا
( تعليق: 0)
 الأعمدة
مور طاغية كتم (1)
مور طاغية كتم (1)-صدي-أمال عباس
صدي

«الحنكلو أب حكاً حلو»
«الحنكلو أب حكاً حلو»-بشفافية-حيدر المكاشفي
بشفافية

( هل المريخاب جبناء ؟ )
( هل المريخاب جبناء ؟ )-بلا تحفظ-مجذوب حميدة
بلا تحفظ

القومة ليك يا وطني

صوت الحق

 كتّاب الرأى
إخفاق ودموع
إخفاق ودموع-نمريات-اخلاص نمر
نمريات

بصمات سودانية في احتفالية الاتحاد الإفريقي بعيده الخمسين

رأي

الفضل ماذا فضل من بعد رحيلك ؟
الفضل ماذا فضل من بعد رحيلك ؟-رأي-حسن محمد صالح
رأي

مالكم كيف تحكمون
مالكم كيف تحكمون-حديث الاربعاء-إبراهيم رضوان
حديث الاربعاء